تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أي إن الفاصلة تقوم بدورها في « إحكام » بناء الآية في الشكل والمضمون ، أو في المبنى والمعنى على حد سواء ؛ لأن منهج الآية في التقديم والتأخير ، والحذف والزيادة ، والفصل والوصل ، لا يقوم على اعتبارات شكلية محضة ، بل يتبع كذلك المعنى فيسهم في « إحكامه » أيضا على أوثق وجوه الإحكام . وهذا هو ما أشار إليه الزمخشري في « كشافه » القديم « 1 » . أما الإحكام اللفظي ، أو النظم الموسيقى فإن دور الفاصلة فيه شديد الوضوح . . حتى إن هذه الفواصل أكثر ما تنتهي بالنون والميم ، وحروف المدّ واللين . . وتلك هي الحروف الطبيعية في الموسيقى نفسها ؛ قال سيبويه - رحمه اللّه - : « أما إذا ترنّموا - أي العرب - فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ؛ ما ينوّن وما لا ينوّن ؛ لأنهم أرادوا مدّ الصوت » . قال : « وإذا أنشدوا ولم يترنموا : فأهل الحجاز يدعون القوافي على حالها في الترنّم : وناس من بني تميم يبدلون مكان المدة النون » « 2 » . أما « إحكام » المعنى فيجب النظر فيه في سياق الآية أو الآيات ذاتها . ونحن هنا نقطع بأن إحكام المعنى هنا قرين إحكام اللفظ ، حتى ولو لاحظنا أن « إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل » - بحسب تعبير الزركشي - كان بتأخير ما أصله أن يقدّم ، أو إفراد ما أصله أن يجمع ، أو جمع ما أصله أن يفرد ، أو تثنية ما أصله أن يفرد . . . إلى آخر هذه الأسباب التي عددها الزركشي في باب إيقاع المناسبة هذا ! ! لأننا لا نفهم هذا « الأصل » الذي يشير إليه - ولا ندري كيف صار أصلا - إلا من زاوية ذلك الإحكام الدقيق في المبنى والمعنى جميعا . . . والذي لم تسهم فيه الفاصلة فحسب ، بل توّجته وأوضحته وجلّته تمام الجلاء ! وقبل أن أورد لك بعض
هامش
( 1 ) البرهان 1 / 72 . ( 2 ) الكتاب 2 / 298 .