جهة نظمه الممتنع ، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه ، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه ، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله ، ومنعوا من معارضته ، وعدلت دواعيهم عنه ، فكان يستغني عن إنزاله على نظمه البديع ، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب .
على أنه لو كان صرفوا لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف ، لأنهم لم يتحدوا ، ولم تلزمهم حجته ، فلما لم يوجد في كلام من قبله علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان . . . » « 1 » .
وقد لخص السيوطي ردودهم على هذه الفرية ، أو الزعم ، بقوله :
« وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
. . .
الآية ، فإنها تدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم ، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره .
والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن ، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز ، بل المعجز هو اللّه تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله .
وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدّي ، وخلو القرآن من الإعجاز ، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية ، ولا معجزة له باقية سوى القرآن .
. . . ولو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون بالمنع معجزا ، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه » « 2 » .
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن تحقيق الأستاذ السيد أحمد صقرص 41 - 42 الطبعة الأولى - دار المعارف .
( 2 ) الإتقان للسيوطي 2 / 118 .