إيجابية بين الطرفين ، محاولة لإنقاذ الواقع من الضياع والتشويه ، وهذا ما نستشفه من المنظور القرآني للعلاقة بين الكتابة والقراءة - التي هي احدى صور الثقافة الشفاهية - الكتابة عملية إنقاذ للقراءة ، وليست مجرد ظل لها .
يقول تعالى
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
.
هذه الآيات الكريمات تحدد لنا بعض ملامح العلاقة بين القراءة والكتابة .
الكتابة عملية تلي القراءة ، وبالتالي لا كتابة بلا قراءة ، كل كتابة من دون قراءة خيانة للعقل ، تجاوز للكون وتغاضي مبتذل لشهادة الحياة ودلالات التاريخ .
إن القراءة وعي فردي ( اقرأ ) ، بناء الداخل ، تنوير وجداني وعقلي ، مما يهيئ ممكنات الانتصار على الفراغ ، القراءة تحول الإنسان من مسار الفردية اللاهية الضائعة إلى مسار الفردية التي تحس بوجودها الحي الفاعل ، ومن ثم هي تكريم للذات ، خاصة إن مادة ( قري ) القريبة من المادة محل البحث ، تفيد الضيافة والتكريم . أما الكتابة فهي نشر للوعي ، تجسيد للمسئولية النابعة من القراءة ، الكتابة تعليم ( علم بالقلم ) ، الكتابة تحول القراءة إلى حضور دائم ، لا تبارح التاريخ بل تحيلها إلى عقل ساري .
الكتابة ليست ظلا للقراءة بل صيانة لها ، إنقاذ لها من قسوة الزمن ، وهي التي تمنح القراءة نعمة الإضافات المتتالية ، تحولها إلى مسيرة متقادمة ، على أن الكتابة علم كما مر بنا قبل قليل ، ومن هنا سوف لا يكون موقف الكتابة حياديا من القراءة ، تدخل بشكل سافر أو خفي ، تمارس دورها الخلاق في جسد القراءة ، قد ترمم وقد تحدث الثقوب والخروق .