والموضوعات التي هي النبوة المحمدية ! الكتابة عمل خلاق ، تدل على أن الإنسان مبدع ، والكتابة سبر لأغوار الحياة وكشف عن اسرار الوجود ، وهي تكمل القراءة وتطورها ، ومهما كانت هويتها ، تحرك الذات الإنسانية إلى السجال والتسجيل ، تخلق عالما محموما بالحركة ، وهي سبيل تحرير الإبداع من الضياع والتلف وربما التزوير والتحوير ، تؤرخ للحقيقة وتذب عنها ، وتسورها إلى حد كبير من الطارئ أو الدخيل ، ترتقي بالكلام إلى مصاف المرقوم ، إنها تنشئ التاريخ ، فحق لها أن تكون أداة قسم ، وبالتالي ، لا يعدم القسم من توجيه نحو هذه الصناعة الحضارية الرائعة .
جاء في الميزان (
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
مقسم عليه ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، والباء في ( بنعمة ) للسببية أو المصاحبة ، أي ما أنت مجنون بسبب النعمة أو مع النعمة التي أنعمها عليك ربك ، والسياق يؤيد إن المراد بهذه النعمة النبوة ، فإن دليل النبوة يدفع عن النبي كل اختلال عقلي حتى تستقيم الهداية الإلهية اللازمة في نظام الحياة الإنسانية ، والآية ترد ما رموه به من الجنون ، كما يحكي عنهم في آخر السورة
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
.
ليس من شك هناك توافق وتجاذب منطقي أو اقتضائي أو معنوي بين أداة القسم وموضوعه بشكل عام ، فإن النبوة أو العقل بل كلاهما يتواصلان والقلم والحرف مع المعرفة والفكر والعطاء العلمي ، كذلك تتواصل كل هذه المفردات بالكتابة كعمل حضاري / ثقافي ، على أن هناك ملاحظة دقيقة ، إن القسم الوارد - في الحقيقة - كان بالقلم والمكتوب ، ولكن الأمرين كليهما يشيران إلى القدرة الرائعة الكامنة في الذات الإنسانية ، أقصد العقل . والقلم والمكتوب يؤصلان نتاج العقل بل يؤصلان العقل بالذات ، وبالتالي ، أعتقد أن أداة القسم البعيدة أو الجوهرية هي العقل ، ذاك الجهاز المعرفي الجبار ، العقل كجهاز فاعل خلاق مبدع ، بقطع النظر عن هوية هذا الإبداع أو هذا الخلق ، بل أقول : ان أداة