فقل ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا : نقول كاهن ، قال : لا واللّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول :
مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، ما هو بخنقه ولا تخالجه ، ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر : قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ، قالوا :
فنقول ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ، قالوا : فما نقول ؟ قال : واللّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا :
ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك « 1 » .
وقد حكى القرآن تخرصات المشركين تلك وأقاويلهم ، فقد قال اللّه تعالى :
1 -
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ( 5 )
[ الأنبياء ] .
2 -
وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 )
[ الصافات ] .
3 -
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 )
[ الفرقان ] .
4 -
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 31 )
[ الأنفال ] .
5 -
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 43 )
[ سبأ ] .
ولم تكن أقوال المشركين الباطلة في القرآن الكريم لتوقف سير الدعوة وانتشارها ، ولم تكن تلك الأقوال لتقنع المشركين أنفسهم بصدق دعواهم ، فقد
هامش
( 1 ) ينظر : ابن هشام : السيرة النبوية 1 / 271 .