تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في علوم القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
المعنى الأول : هو الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم ، أو الاستدلال له من العلم ، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائي في حقائقه ، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق ، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة . المعنى الثاني : سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته ، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان ، بناء يتفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي ، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته ، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق ، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ، ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة . المعنى الثالث : هو التأويل المستمر ، مع التمهل والتكلف ، لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر ، وكل يوم يجدّ جديد . ولكن ذلك لا يعني أننا لا يمكن أن ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق علمية عن الكون والحياة والإنسان في تفسير القرآن ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ( 53 )
[ فصلت ] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق والأنفس من آيات اللّه ، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا ، من غير أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة . وهنا ينفع المثال : يقول القرآن مثلا :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 )
[ الفرقان ] ، ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون ، ( الأرض بهيئتها هذه ، وببعد الشمس عنها هذا