تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في علوم القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
الناس يكتفون بضبط قراءة واحدة يتلون بها كتاب اللّه تعالى ، وأدى ذلك خلال القرون المتلاحقة إلى انتشار قراءات معينة وانحسار أخرى ، بحيث صارت لا تعرف إلا في الكتب ، ولا يضبطها إلا المتخصصون بدراسة القراءات وروايتها . وأكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي اليوم قراءة عاصم ، ويقرأ المسلمون في بلاد المغرب برواية ورش عن نافع ، وفي بلاد السودان برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء ، لكن قراءة عاصم آخذة بالانتشار في تلك البلدان أيضا . ولم يكن تميز قراءة عاصم بالأمر الذي حدث في العصور المتأخرة ، فهذا الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 ه يسأله ابنه صالح : أي القراءة أحب إليك ؟ فقال : قراءة نافع ، قال : فإن لم توجد ؟ قال : قراءة عاصم « 1 » . وقال مكي عن قراءة عاصم : « فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ ، مقدّمة على غيرها ، لفصاحة عاصم ، ولصحة سندها ، وثقة ناقلها » « 2 » . فهذه ثلاثة أسباب ذكرها مكي لتميز قراءة عاصم ، سوف نقف على شواهدها التاريخية بعد قليل ، إن شاء اللّه . وليس من اليسير القول إن قراءة عاصم سادت بلدان المشرق الإسلامي في قرن معين ، ولكن لدينا شواهد وأقوال توضح جانبا من هذه القضية الكبيرة ، منها أن الخطيب البغدادي ذكر أن أحمد بن سهل الأشناني المتوفى سنة 307 ه « هو أحد القراء المجودين ، قرأ على عبيد بن الصبّاح روايته عن حفص بن سليمان حرف عاصم بن أبي النجود ، واشتهر بهذه القراءة » « 3 » . وتمضي قرون حتى نلتقي بقول أبي حيان الأندلسي ( ت 754 ه ) الذي يذكر فيه أن قراءة نافع هي التي ينشأ عليها أهل المغرب وأن قراءة عاصم هي القراءة
هامش
( 1 ) السخاوي : جمال القراء 2 / 464 . ( 2 ) التبصرة ص 219 . ( 3 ) تاريخ بغداد 4 / 185 .
محاضرات في علوم القرآن — صفحة 149 | غانم قدوري الحمد