كِتابٍ مُبِينٍ ، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
[ يونس : 61 - 63 ] .
ولعل من وجوه الحكمة في تأخير ذكر هذه القصة بعد القصتين السابقتين في سورة الكهف ، أن القيم الواردة في القصص الثلاث تتباين المدارك البشرية في التعرف عليها .
فالقصة الأولى - قصة الفتية الذين آواهم الكهف - التي اشتملت على ذكر السلطة الجائرة التي ادعت حق الألوهية وموّهت على الناس الحقيقة ، إن بطلان هذه الدعوى يدركه العقل السليم مهما كان المستوى الثقافي لصاحبه ، لأنه أمر مخالف لبداءة العقول وفطرة الإنسان .
بينما لا تدرك جميع العقول القيمة الزائفة في القصة الثانية - قصة صاحب الجنتين - فإن المال والجاه وكثرة الرجال ، زينة الحياة الدنيا ، ولا تدرك حقيقتها إلا العقول المهتدية بنور الإيمان .
أما القيمة الحقيقية للعلم بمظهره الظاهر والخفي ، علم الشرائع والعلم اللدني لا يدرك حقيقته إلا أهل البصائر من المؤمنين الراسخين الذين لا تزعزع إيمانهم الأسباب الظاهرة والنتائج المحتملة ، بل يرون خلف الأسباب والمسببات يد القدرة الإلهية والحكمة العليا التي تتجلى فيها حقائق أسماء اللّه الحسنى وصفاته العلى .
لذا فإننا نقول إن المقابلة هنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام ليست مقابلة بين قيم زائفة وأخرى حقة ، كما كان الحال في قصة أصحاب الكهف وقصة صاحب الجنتين ، بل المقابلة بين قيم صحيحة ظاهرة وقيم صحيحة أخرى غيبية في علم اللّه المحيط بالحقائق ومآل الأمور .
والمتمسك بالعلم الظاهر محمود الفعال والسلوك ، وينبغي أن لا ينكر العلوم الخفية وخاصة إذا وجد من الظواهر الكونية ما لا يمكنه تعليله أو معرفة أسبابه الظاهرة أو إدراك وجه الحكمة فيه ، وإنما يعيد العلم إلى الذي يعلم السر في السماوات والأرض .