القيم من خلال قصة موسى والخضر عليهما السلام :
إن القيمة الأساسية التي يدور حولها المقطع الرابع وأحداث هذه الرحلة والصحبة هي ( العلم ) ، ولئن كانت القيم الصحيحة في المقاطع السابقة تقابل بأخرى داجلة فيها التمويه والزيف ، فيراد كشف بهرجها وزيفها بإلقاء أنوار القيم الصحيحة عليها لإذابة ذاك الزيف والدجل عنها . فإن الأمر مختلف في هذا المقطع إن العلم يعرض هنا على أنه قيمة صحيحة ولكن له مظهران : ظاهر وخفي وينبغي أن لا تحجبنا وسائلنا التي نطلع بواسطتها على الجانب الظاهري عن التسليم بوجود الجانب الخفي الذي أحاط اللّه سبحانه وتعالى به .
إن العلوم التي بلغها الأنبياء والمرسلون لأممهم وأقاموا صرح الحضارات الإنسانية عليها علوم أساسية لم تستغن عنها البشرية في أي مرحلة من مراحل وجودها . وكانت واسطة العقد في هذه الرسالات السماوية رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، حيث ختمت به وبرسالته النبوات
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ
[ الأحزاب : 40 ] .
وإلى جانب العلوم المستمدة من الوحي الإلهي فهنالك العلوم التجريبية ، التي تشكل حصيلة الجهد البشري على مر القرون للتعرف على سنن اللّه في الكون ، للارتقاء بالوسائل التي يستخدمها الإنسان في حياته وتعامله .
وهذه العلوم كلها تكتسب بالجهد البشري ، ولوسائل المعرفة من الحواس وغيرها دور في تنميتها والاستزادة منها .
ووراء كل ذلك علم غير خاضع للجهد البشري ووسائله في التعرف والاستزادة وهو علم الغيب الذي تدار شؤون الكون به ، ومجاله الإيمان المطلق والتسليم لعالمه جل جلاله الذي أحاط بكل شيء علما
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي