تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ورضى وتسليما بقضاء اللّه وقدره
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
. وإذا توافرت هذه المقومات في الإنسان : الفتوة والإيمان ورباطة الجأش ومضاء العزيمة ، لا يستقر لهذا الإنسان قرار بل لا بدّ من مصارعة الباطل ، والوقوف في وجهه ، وهذا ما كان من أمر الفتية
إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ، هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
وفي خضمّ هذه المشاعر النبيلة والعواطف المتأججة بنور الإيمان ، يهتدون إلى رأي ، أن يخرجوا مجتمعين إلى الغار ، ليعتزلوا المجتمع الجاهلي ماديا بعد أن اعتزلوه شعوريا ، وليفكروا بروية في الأسلوب الأنجع لمقارعة الباطل فإن لم يستطيعوا مقارعته وجها لوجه ، فبإمكانهم أن يضربوا في أرض اللّه الواسعة ويهاجروا في سبيل اللّه
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
[ النساء : 100 ] . إذ العزلة الشعورية واجبة دائما فلا يجوز مطلقا موادة من حاد اللّه ورسوله مهما كانت درجة قرابته ومكانته . ولا يجوز مهادنة الجاهلية وأهلها سواء كانت الغلبة لهم أو لنا . أمّا العزلة المادية الجسدية فإنّ لها شروطا ولعلّ من أهمها كما ذكرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن لا يجد المرء على الحق أعوانا ، وأن يرى شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه « 1 » ، وأن لا تكون للمسلمين جماعة ، فعندئذ جازت العزلة الجسدية والانصراف إلى خويصة النفس وترك أمر العامة . روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن » « 2 » .
هامش
( 1 ) من حديث رواه الترمذي في كتاب التفسير 4 / 323 ، وقال عنه هذا حديث حسن غريب . ( 2 ) انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان 1 / 10 .