تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
2 -
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ النمل : 61 ] . وفي هذه الآية تقرير لدليل العناية ، فهو الذي جعل الأرض بهذه الكيفية وثبتها بالجبال وأجرى فيها الأنهار وجعل بين البحرين حاجزا . ولولا هذه العناية الربانية وهذا التقرير المحكم لما هيئت الأرض للحياة والاستقرار . وجاءت الفاصلة القرآنية ملائمة أيضا لدليل العناية ، فإن إدراك سنن اللّه الكونية في المخلوقات ومنها الأرض وإدراك أنظمة جريان الأنهار ومعرفة دور الجبال في إرساء الأرض وحفظ توازنها ، والبحث عن سر الحاجز بين البحرين لا يدركه إلا العلماء أهل الاختصاص فجاءت الفاصلة ( بل أكثرهم لا يعلمون ) . 3 -
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
[ النمل : 62 ] . وهذا دليل الفطرة ، فلا ملجأ ولا ملاذ للمخلوقات عند وقوع الضر بهم إلا التوجه إلى الواحد الأحد الفرد الصمد والفاصلة ملائمة ومؤكدة للدليل ، فإن الالتجاء إلى اللّه سبحانه وتعالى عند الشدة أمر فطري راسخ في النفس البشرية ، إلا أن الناس يغفلون عن ذلك في حالة السراء ، فلا يحتاج الأمر إلا إلى تذكرهم ، وإن لم تهيأ الظروف المذكرة لهم بذلك فإن الشدّة تفرض عليهم الذكرى وتزيل الغشاوة عن الفطرة وصفائها فختمت الآية ب ( تذكرون ) . 4 -
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ النمل : 63 ] . وفي الآية إشارة إلى صفات الكمال التي اتصف بها المولى جل جلاله وتقدست أسماؤه ، وعلى رأس هذه الصفات صفة الرحمة والهداية إلى المصالح المادية والمعنوية . وجاءت الفاصلة مؤكدة لمضمون الدليل ، فهو المتفرد بصفات الكمال والمنزه عن صفات النقص ( تعالى اللّه عما يشركون ) .
مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 163 | مصطفى مسلم