اللّه ( ص ) فضلا إلى ما يكلفه هذا العمل من الأتعاب والمشاكل التي هو في غنى عنها ، إضافة إلى أنه صحابي عاصر رسول اللّه وسمع حديثه لا يحب أن يقوم بعمل أو محاولة لم يفعلها النبي ولم يأمر بها - وانه كمسلم يتحاشى مثل هذا العمل خشية ان يقع - عند تنفيذه له - في بعض الأخطاء وما قد يترتب على هذه الأخطاء من المحاذير الدينية والأدبية التي قد تهدد مكانته الدينية وتعصف بها .
وحسب زيد حينئذ انه لو كلف بنقل جبل - كجبل أبي قبيس المطل على قلب مكة - بصخوره وحصاه وترابه ما كان اثقل عليه من تنفيذ هذا الطلب واتمام هذا العمل المكلف به . . .
ولكن لم تمضي إلا فترة قصيرة من الوقت إلا وشرح اللّه صدر زيد لقبوله تنفيذ هذا العمل كما شرح اللّه تعالى صدر أبي بكر بصدده من قبل ، فوافق على القيام بأعباء العمل طواعية وابتدأ في تنفيذه وتحقيقه في الحال بعد أن توسل إلى اللّه تعالى في أن يختم مهمته بالنجاح والخير . .
لقد قام زيد بالأمر - بعد ان أمر أبو بكر مناديا لينادي في الناس ، بأن كل من عنده شيء من القرآن فليجئ به إلى زيد - قام على خير وجه حيث سار وفق خطه حكيمة وسليمة فهو لم يعتمد فقط على ملكة الحفظ عند العرب بل اشترط إضافة إليها ان تعززها وتدعمها الكتابة ، كما قرر ان لا يقبل أية آية مكتوبة من آيات القرآن « إلا من بعد شهادة شاهدين عادلين يفيدان على أنها كتبت وحررت في حضرة الرسول ( ص ) وانها سمعت من فمه » « 17 » .
والحقيقة ان كل هذه الاجراءات والتعقيدات انما وضعت أو اخذت بنظر الاعتبار فلأجل المبالغة في الاحتياط والأمانة في الجمع والحرص على صحة وسلامة نقل الآيات الكريمة . .
هامش
( 17 ) الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي .