وقد دأب عمر بن الخطاب ( رض ) على مراجعة أبي بكر ( ر ض ) بهذا الشأن مرارا كما ودار حول الموضوع حوار طويل بينهما « لا سيما فيما يتعلق بتهافت أصحاب الرسول في المعارك تهافت الفراش في النار وخشية ألا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا » « 14 » حتى انتهى الحال أخيرا إلى انتزاع الموافقة على جمع القرآن ، حيث أدرك أبو بكر - في الأخير - الفوائد المترتبة من ذلك فضلا عما ثبت لديه من أن مثل هذه الخطوة ليست ببدعة في كثير أو قليل ان لم تكن حسنة يثاب عليها المرء ويجزى عنها أحسن الثواب في يوم الحساب ، وانها أيضا تتفق مع روح التشريع الاسلامي والمصالح العامة ولا تعارض نصا شرعيا أو حكما دينيا . .
علما بأن هذه الموافقة كانت - كما يرى البعض - هي « أخطر قرار اتخذه أبو بكر في حياته وأعظم الخطوات التي تمت في تاريخ هذه الأمة » « 15 » لأنها ستحفظ القرآن من التحريف وتبعده عن الزيادة والنقصان .
وفي سبيل تحقيق هذا الأمر الذي تم المصادقة عليه ، استدعى أبو بكر الصديق اليه زيد بن ثابت وكان الأخير من أبرز كتاب الوحي وقال له : باني قد عزمت على أمر خطير وجسيم آمل ان تعينني عليه فإنك :
« رجل شاب عاقل لا نتهمك في شيء وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ( ص ) فتتبع القرآن واجمعه » « 16 » في مكان واحد . .
وقد كان وقوع هذا القول على رأس زيد كوقوع الصاعقة ، حيث استثقل الأمر في البداية واستبعده وشعر بجسامة التبعة التي كلف بحملها لأسباب مختلفة ، منها انه لم يسبق له ان تلقى طلبا كهذا في عهد رسول
هامش
( 14 ) إعجاز القرآن والبلاغة المحمدية - مصطفى صادق الرافعي .
( 15 ) تاريخ القرآن - الدكتور عبد الصبور شاهين .
( 16 ) البرهان في علوم القرآن - بدر الدين الزركشي .