عند ربنا ، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة .
هذه حقيقة قررتها الآية الكريمة ، وجاء التاريخ تطبيقا واقعيا لمضمونها ، فما من فرقة ضالة أرادت كسب الأنصار إلى آرائها إلا ولجأت إلى المتشابه تؤوله على الوجه الذي يروق لها ويتفق مع أصولها ومبادئها . . .
وفي ذلك تشويه لصورة هذا الدين ونيل منه وإخراج للآيات عن حقيقتها .
ويبدو أنّ هذا مسلك طبيعي للمنحرفين ، ذلك لأن المحكم من آيات القرآن الواضح الدلالة لا مجال فيه للدس والافتراء والتحريف . . . أما الكلام الذي يكون غير واضح المعنى ففيه المجال الرحب أمام تلك الفرق المنحرفة لتقول : إن المراد بهذه الآية هو كذا وكذا . وتأتي بضلالاتها وتقررها .
وإذا كان المنحرفون قد أقدموا على تفسير المحكم تفسيرا باطلا فإنهم في المتشابه أشدّ إفسادا وتحريفا .
ذكر ابن الجوزي نقلا عن غلاة الشيعة الذين يعتقدون بعقيدة التناسخ الباطلة وينكرون القيامة ، فنقل عنهم قولهم : ( وأما النفوس المنكوسة المغموسة في عالم الطبيعة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة المعصومين فإنها أبدا في النار ، على معنى أنها تتناسخ في الأبدان الجسمانية وكلما فارقت جسدا تلقاها آخر واستدلوا بقوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
« 1 » ) « 2 » .
ونقل ابن الجوزي عنهم أنهم يفسرون الصيام بالامساك عن كشف السر ، ويفسرون البعث يوم القيامة بالاهتداء إلى مذاهبهم « 3 » . وهذا كله
هامش
( 1 ) النساء : 56 .
( 2 ) القرامطة لابن الجوزي بتحقيقنا ص 61 .
( 3 ) القرامطة لابن الجوزي بتحقيقنا ص 64 .