الكلمات قبل نزول القرآن بأزمنة انتقلت إلى العرب ، فأجرى عليها العرب تعديلات تتفق مع قواعدهم ومقاييسهم اللغوية ، وأخضعوها لمنطقهم اللغوي ، فأصبحت منسجمة في أوزانها ونطقها مع القواعد والمقاييس العربية ، وهذه كلمات قليلة بالطبع ، لا كما يصورها بعض الكاتبين .
وخلاصة هذا القول أن ورود هذه الكلمات في القرآن الكريم لم يكن إلا بعد استعمال العرب لها ردحا من الزمن ، وبعد أن قاموا بتشذيبها وتهذيبها بالصبغة العربية الخالصة .
ولكن المحققين من الأئمة ذهبوا غير هذا المذهب ولم يرضهم هذا الرأي ، فقرروا أن هذه الكلمات ليست إلا كلمات عربية في أصلها ونشأتها ، وورودها في لغات غير العربية ليست دليلا على أنها أجنبية ، فهناك تشابه في كثير من الكلمات وبخاصة في اللغات السامية ، فإذا كانت هذه الكلمات ذكرت في لغات متعددة فلا يدل هذا على أنها بعيدة من العربية ، وقد نرجح هذا القول حينما نعلم أن جرس الكلمات في العربية يختلف عنه في اللغات الأخر .
وهذا القول نص عليه ابن جرير الطبري شيخ المفسرين في مقدمة « تفسيره » ، ودافع عنه بقوة منطقية ، وهو ما ارتضاه كثير من الباحثين المنصفين المحدثين .
إن تشابه الكلمات وبخاصة الساميّة منها من الأمور البدهية ، يقول ابن الأثير في « المثل السائر » وهو يتحدث عن اللغة العربية وما لها من ميزات وخصائص :
« وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود ، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية ، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد لمكان علمه في دينهم وغيره ، وكان لعمري كذلك ، فجرى ذكر اللغات وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات ، وأنها أشرفهن مكانا وأحسنهن وضعا ، فقال ذلك الرجل : كيف لا تكون كذلك وقد جاءت آخرا فنفت القبيح من اللغات قبلها وأخذت الحسن ، ثم إن واضعها تصرّف في جميع اللغات السالفة ، فاختصر ما اختصر ، وخفف ما خفف ، فمن
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات ) — صفحة 94
مساهمون: فضل حسن عباس
ص٩٤