آلاف آية ، تذكر فيه الفاصلة مرة واحدة أو مرتين ، ولو كانت القضية كما جاء في دائرة المعارف قضية ختم عشوائي هدفه الكلام دون أن يكون له غاية ؛ لوجدنا أن هذه الفاصلة لم يكن حريا بها أن تذكر في القرآن كله مرة واحدة أو مرتين ، بل وضعت مرة في كل مائتي آية ، أو ثلاثمائة آية على الأقل . أما مجيئها كذلك فأمر يدعو إلى الدهشة ويبعث على التفكير ، هذه واحدة .
[ ختم بعض الفواصل بأسماء الله واختلافها تقديما وتاخيرا ]
أما الثانية : فلقد ختمت كثير من الفواصل بأسماء اللّه تبارك وتعالى ، إلا أن هذه الأسماء قدّم بعضها تارة وأخر أخرى ، مثال ذلك :
1 - ذكر في آيات كثيرة :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
وهذا أمر طبعيّ ؛ لأن المغفرة هي ستر الذنب ، وأما الرحمة فهي تفضل وإنعام من اللّه ، ولا ريب أن ستر الذنب ينبغي أن يكون أولا ، فالتخلية مقدمة على التحلية ، كما يقولون ، إن الإنسان يزيل ما عليه من درن ثم يتزين . ولكننا نجد آية واحدة في كتاب اللّه تعالى قدمت فيها الرحمة على المغفرة ، وهي قوله سبحانه :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
[ سبأ : 2 ] ، وإذا تساءلنا عن سبب هذه الفاصلة التي لم يوجد غيرها في القرآن وجدنا أن سياق الآيات نفسها حتم ذلك ، فالفواصل الأولى كلها كان يتقدمها ما يشعر بالذنب والخطأ أو التقصير ، لذا كانت المغفرة أولا ، ولكن هذه الآية هنا آية سبأ لم يتقدم فيها شيء من هذا ، وإنما كل الذي ذكر هو حمد اللّه الذي له ما في السماوات والأرض ، والذي يعلم ما في باطن الأرض وما يخرج منها ، ويعلم داخلها وخارجها ، ويعلم ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وفي هذا من مصالح الناس الكثير ، وهو لا يعدو أن يكون رحمة اللّه تبارك وتعالى ، لذلك قدمت الرحمة على المغفرة .
وشبيه بهذا تقديم المغفرة على الحلم في مثل قوله سبحانه :
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
[ البقرة : 225 ] ، فقد قدمت المغفرة على الحلم وسياق هذه الآيات يحتم