الشبهة الثالثة :
خلاصتها أن القرآن عربي نزل بلغة العرب ، وجرى مجاريهم في الخطاب ، ومن عادة العرب في كلامهم الاقتضاب ، وعدم مراعاة التناسب والارتباط بين جزئيات الكلام ، كما هو ظاهر في ما نقل إلينا من خطبهم وأشعارهم ، ومن ثمّ فلا مجال لطلب المناسبة في القرآن طالما أنه نزل على المعروف من عادة العرب ، وقد سبق أبو العلاء محمد بن غانم الشوكانيّ إلى هذه الشبهة حين قال : « إن القرآن إنما وقع على الاقتضاب ، الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم » « 1 » .
وهذا الكلام الذي يقوله ابن غانم ويتابعه عليه الشوكاني لا يستند إلى دليل ولا يقوم على حجة ، بل الأدلة والحجج على خلافه ، ولننظر في أقوال بعض النقاد العرب الذي يعرّفون البلاغة :
- قال بعض بلغاء العرب : البلاغة أن يكون أول كلامك يدلّ على آخره ، وآخره يرتبط بأوله « 2 » .
- وقال بعضهم : البلاغة : شدّ الكلام إلى معانيه وإن قصر ، وحسن التأليف وإن طال « 3 » .
- وقال بعضهم : البلاغة : القوة على البيان مع حسن النظام « 4 » .
- وقال آخر : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه ، وقلّ مجازه ، وكثر إعجازه ، وتناسبت صدوره وأعجازه « 5 » .
هامش
( 1 ) « الإتقان » للسيوطي : 2 / 109 .
( 2 ) « العمدة » لابن رشيق : 1 / 244 .
( 3 ) « العمدة » : 1 / 250 .
( 4 ) « العمدة » : 1 / 244 .
( 5 ) « العمدة » : 1 / 246 .