في ذلك بعض الأحاديث والآثار . فعن الحسن ، مما أرسله عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أنه قال :
ما أنزل اللّه آية إلا لها ظهر وبطن ، بمعنى ظاهر وباطن ، وكل حرف حد وكل حد مطلع .
وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة ، والباطن هو الفهم عن اللّه لمراده ، لأن اللّه تعالى قال :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
« 1 » . والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب ، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام ، كيف وهو منزل بلسانهم ؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد اللّه من الكلام ، وكان هذا هو معنى ما روى عن علي أنه سئل هل عندكم كتاب ؟ فقال : « لا ، إلا كتاب اللّه ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة « 1 » » .
الحديث . وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث إذ قال : الظهر هو الظاهر والباطن هو السر .
وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 3 » . فظاهر المعنى شيء ، وهم عارفون به لأنهم عرب . والمراد شيء آخر ، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند اللّه ، وإذا حصل التدبر لم يوجد في القرآن اختلاف البتة . فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الاتفاق ، وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه . ولما قالوا في الحسنة : هذا من عند اللّه ، وفي السيئة : هذا من عند رسول اللّه ، بيّن لهم أن كلا من عند اللّه ، وأنهم لا يفقهون حديثا ، لكن بين الوجه الذي يتنزل عليه أن كلا من عند اللّه بقوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . . .
« 4 » الآية . وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 5 » فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد . وذلك ظاهر أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري في ص 96 - كتاب الاعتصام ، 5 - باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع .
عن إبراهيم التيمىّ قال : حدثني أبي قال : خطبنا على رضى اللّه عنه على منبر من آجرّ ، وعليه سيف ، فيه صحيفة معلقة . فقال : ( واللّه ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب اللّه . وما في هذه الصحيفة . فنشرها فإذا فيها : أسنان الإبل . وإذا فيها : المدينة حرم من عير إلى كذا ( وكذا يعنى ثورا . كما جاء في روايات أخرى متعددة ) فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا . وإذا فيه ( كذا ) : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم . فمن أخفر مسلما فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين . لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا . وإذا فيها : من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا .
( 3 ) سورة النساء : الآية 82 .
( 4 ) سورة النساء : الآية 79 .
( 5 ) سورة محمد : الآية 24 .