الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . . .
« 1 » الآية .
ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب ، وظل زائل ، وترك ما هو المقصود منها ، وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى . وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير .
ولما قال تعالى :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
« 2 » نظر الكفار إلى ظاهر العدد . فقال أبو جهل ، فيما روى : لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم . فبيّن اللّه تعالى باطن الأمر بقوله :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . .
« 3 » ، إلى قوله :
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
« 4 » .
وقال :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
« 5 » ، فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا . وقال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . . .
« 6 » .
وقال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ . . .
« 7 » الآية . لما نزل القرآن ، الذي هو الهدى للناس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر بن الحرث بأخبار فارس والجاهلية ، أو بالغناء ، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل اللّه .
وقال تعالى في المنافقين :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ . . .
« 8 » وهذا عدم فقه منهم . لأن من علم أن اللّه هو الذي بيده ملكوت كل شيء ، وأنه هو مصرف الأمور ، فهو الفقيه . ولذلك قال تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 9 » .
وكذلك قوله تعالى :
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 10 » لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحده ثم انصرفوا .
فاعلم أن اللّه تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه . وإذا ثبت ذلك فهو لفهمهم مراد اللّه من خطابه ، وهو باطنه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 26 .
( 2 ) سورة المدثر : الآية 27 - 30 .
( 3 ) سورة المدثر : الآية 31 .
( 4 ) سورة المدثر : الآية 31 .
( 5 ) سورة المنافقون : الآية 8 .
( 6 ) سورة المنافقون : الآية 8 .
( 7 ) سورة لقمان : الآية 6 .
( 8 ) سورة الحشر : الآية 13 .
( 9 ) سورة الحشر : الآية 13 .
( 10 ) سورة التوبة : الآية 127 .