تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
وابن جنى والبيضاوي والألوسي وغيرهم أن نائب الفاعل ربيون ، وقد قدمنا أنا لا نعتمد في البيان على القراءة الشاذة ، وإنما نذكرها استشهادا للبيان بقراءة سبعية كما هنا ، فيقول المخالف لنا في هذه المسألة كابن جرير ، وابن إسحاق ، والسهيلي - رحمهم اللّه - وغيرهم : قد دلت آيات أخر على أن نائب الفاعل ضمير النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهي الآيات المصرحة بوقوع القتل على بعض الأنبياء كقوله :
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
« 1 » ونحوها من الآيات ، وهي تبين أن القتل في محل النزاع واقع على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنقول : يجب تقديم بياننا على بيانكم من ثلاثة أوجه : الأول : أن الآيات المصرحة بقتل الكفار بعض الرسل التي هي دليل بيانكم أعم من محل النزاع ؛ لأن النزاع في قتل الرسل في ميدان الحرب خاصة دون غيره ، والآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ليست واحدة منها في خصوص القتال البتة ، والبيان لا يكون بالأعم ؛ لأن الدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص ؛ لإطباق العقلاء كافة على أن وجود الأعم لا يقتضى وجود الأخص ؛ فمطلق قتل الرسول لا يدل على كونه في جهاد ، لأنه أعم من كونه في جهاد أو غيره كما هو واضح ، بخلاف البيان الذي ذكرنا بقوله :
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
« 2 » ونحوها ، فإنه في محل النزاع ؛ لأنه يصرح بأن الرسل غالبون ، وهو نص في أن الرسول المقاتل غير مقتول ، لأن المقتول غير غالب كما بينه بقوله :
فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ
« 3 » كما تقدم ، ومعلوم أنه لا يعارض خاص في محل النزاع بأعم منه . الوجه الثاني : أن البيان الذي ذكرنا تتفق به آيات القرآن العظيم على أفصح الأساليب العربية ولم يقع بينها تصادم البتة ، وما ذكره المخالف يؤدى إلى تناقضها ومصادمة بعضها لبعض ، لأن الرسول الذي لم يؤمر بجهاد إذا قتل لم يكن في ذلك إشكال ولا مناقضة لقوله :
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
لأنه لم يؤمر بالمغالبة ، فلا يصدق عليه أنه مغلوب ولا غالب لعدم وجود المغالبة من أصلها في حقه ؛ لأنها إن عدمت من أصلها فلا يقال : غالب ولا مغلوب ، لأن الغلبة صفة إضافية لا تقوم إلا بين متغالبين بخلاف قتل الرسول
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 87 . ( 2 ) سورة المجادلة : الآية 21 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 74 .