المأمور بالمغالبة في الجهاد ، فإنه مناقض لقوله :
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
واللّه يقول فيما وعد به رسله :
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
« 1 » .
الثالث : أن جميع الآيات الدالة على قتل بعض الرسل المستدل بها على صورة النزاع كلها واردة في قتل الرسل في غير جهاد ، كقتل بني إسرائيل أنبياءهم ظلما في غير قتال . . .
وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن ، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضها ؛ لأن كل واحد منها صحيح ، ومثاله قوله تعالى في أول الأنعام :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
« 2 » الآية - فإن فيه للعلماء ثلاثة أقوال :
الأول : أن المعنى وهو الإله أي : المعبود بحق في السماوات والأرض ويدل له قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
« 3 » .
الثاني : أن قوله في السماوات وفي الأرض متعلق بقوله يعلم سرّكم ، وعليه : فالمعنى وهو اللّه يعلم سرّكم وجهركم في السماوات والأرض ، ويدل له قوله تعالى :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 4 » الآية .
الثالث : وهو اختيار ابن جرير أن الوقف على قوله : في السماوات وقوله : وفي الأرض متعلق بقوله : يعلم سرّكم ، ويدل له قوله تعالى :
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
« 5 » الآية . . .
ومن أنواع البيان المذكورة فيه تفسير اللفظ بلفظ أشهر منه وأوضح عند السامع كقوله في حجارة قوم لوط :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
« 6 » الآية - فإنه تعالى بين في الذاريات في القصة بعينها أن المراد بالسجيل الطين ، وذلك في قوله تعالى :
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
« 7 » الآية - ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يرد لفظ محتمل لأن يراد به الذكر وأن تراد به الأنثى ، فيبين المراد منهما ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 34 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 3 .
( 3 ) سورة الزخرف : الآية 84 .
( 4 ) سورة الفرقان : الآية 6 .
( 5 ) سورة الملك : الآية 16 .
( 6 ) سورة هود : الآية 82 .
( 7 ) سورة الذاريات : الآية 32 - 33 .