الصحيحة صحة بياننا وبطلان بيانه ، فيكون استدلالنا بكتاب وسنة ، فإن استدل من خالفنا بسنة أيضا مع القرآن الذي استدل به ، فإننا نبين رجحان ما يظهر لنا أنه الراجح ، وكذلك إذا استدل مخالفنا بقرآن ولم يقم دليل من سنة شاهدا لنا ولا له ، فإنا نبين وجه رجحان بياننا على بيانه ، مثال الأولى من هذه المسائل الثلاث قولنا : إن قراءة :
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
« 1 » بالخفض المفهمة مسح الرجلين في الوضوء ، تبيّنها قراءة :
وأرجلكم بالنصب الصريحة في الغسل فهي مبينة وجوب غسل الرجلين في الوضوء ، فيفهم منها أن قراءة الخفض لأجل المجاورة للمخفوض أو لغير ذلك من المعاني ، كما ستراه إن شاء اللّه مبينا في المائدة ، فيقول الشيعي القائل بمسح الرجلين في الوضوء ، بل قراءة الخفض صريحة في المسح على الرجلين ، فهي مبينة أن قراءة النصب من العطف على المحل ؛ لأن المجرور الذي هو برءوسكم في محل نصب ، فنقول : السنة الصحيحة تدل على صحة بياننا وبطلان بيانك ، كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ويل للأعقاب من النار » ، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب غسل الرجلين في الوضوء ، ولنا أيضا أن نقول : لو سلمنا أن قراءة وأرجلكم بالخفض يراد بها المسح ، فلا يكون ذلك المسح إلا على خف ؛ لأن من أنزل عليه القرآن صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قيل له :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 2 » ولم يمسح صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على رجليه في الوضوء إلا على خفين ، فتكون قراءة النصب مبينة لوجوب غسلهما ، وقراءة الخفض مبينة لجواز المسح على الخفين ، وسترى تحقيق هذه المسألة إن شاء اللّه في محلها من سورة المائدة .
ومثال المسألة الثانية من المسائل الثلاث المذكورة ، قولنا : إن الأظهر في القروء في قوله تعالى :
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
« 3 » أنها الأطهار بدليل قوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
، والزمن المأمور بالطلاق فيه زمن الطهر لا زمن الحيض ، فدل على أن العدة بالطهر وتدل له السنة الصحيحة كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حديث ابن عمر : « فتلك العدة التي أمر اللّه أن يطلق لها النساء » والإشارة في قوله : فتلك العدة لزمن الطهر الواقع فيه الطلاق ، وهو تصريح من
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 6 .
( 2 ) سورة النحل : الآية 44 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 228 .