تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد اللّه في فهم القرآن أشياء مما يعد من باطنه . فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
« 1 » : أي أضدادا . قال : وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء ، الطواعة إلى حظوظها ومنهيّها بغير هدى من اللّه . وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم الأنداد ، حتى لو فصل لكان المعنى : فلا تجعلوا للّه أندادا لا صنما ولا شيطانا ولا النفس ولا كذا . وهذا مشكل الظاهر جدّا ، إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدل على أن الأنداد : الأصنام أو غيرها مما كانوا يعبدون ، ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ولا يتخذونها أربابا . ولكن له وجه جار على الصحة ، وذلك أنه لم يقل : إن هذا هو تفسير الآية ، ولكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعىّ الذي شهد له القرآن من جهتين : إحداهما : أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار ، فيجريه له فيما لم تنزل فيه ، لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه ، لأن حقيقة الندّ أنه المضاد لندّه ، الجاري على مناقضته . والنفس الأمارة هذا شأنها ، لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها ، لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها . وهذا هو الذي يعنى به الندّ في ندّه . لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه . وشاهد صحة هذا الاعتبار قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 2 » وهم لم يعبدوهم من دون اللّه ولكنهم ائتمروا بأوامرهم ، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان . فما حرموا عليهم حرموه ، وما أباحوا لهم حللوه ، فقال اللّه تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
وهذا شأن المتبع لهوى نفسه . والثانية : أن الآية ، وإن نزلت في أهل الأصنام ، فإن لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم . ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل الإيمان : أين تذهب بكم هذه الآية
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
« 3 » ؟ وكان هو يعتبر نفسه بها . وإنما أنزلت في الكفار لقوله :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ
« 4 » الآية ، ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص . فإذا كان كذلك ، صح التنزيل بالنسبة إلى النفس
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 22 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 31 . ( 3 ) سورة الأحقاف : الآية 20 . ( 4 ) سورة الأحقاف : الآية 20 .