قال القرطبي في تبيين الكتاب بالسنة :
« قال اللّه تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 1 » . وقال تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 2 » . وقال تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 3 » ، وفرض طاعته في غير آية من كتابه وقرنها بطاعته عز وجل ، وقال تعالى :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
« 4 » .
ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم له عن عبد الرحمن بن يزيد : أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهى المحرم ؛ فقال : ايتني بآية من كتاب اللّه تنزع ثيابي ؛ قال : فقرأ عليه :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
.
وعن هشام بن حجير قال : كان طاوس يصلى ركعتين بعد العصر ، فقال ابن عباس :
أتركهما ؛ فقال : إنما نهى عنهما أن تتّخذا سنة ؛ فقال ابن عباس : قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن صلاة بعد العصر ، فلا أدرى أتعذّب عليهما أم تؤجر ، لأن اللّه تعالى قال :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 5 » .
وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه ، ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهلىّ ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه » .
قال الخطابي : قوله « أوتيت الكتاب ومثله معه » يحتمل وجهين من التأويل : أحدهما :
أن معناه أنه أوتى من الوحي الباطن غير المتلوّ ، مثل ما أعطى من الظاهر المتلوّ .
والثاني : أنه أوتى الكتاب وحيا يتلى ، وأوتى من البيان مثله ، أي أذن له أن يبيّن ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرع ما في الكتاب ؛ فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن .
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 44 .
( 2 ) سورة النور : الآية 63 .
( 3 ) سورة الشورى : الآية 52 .
( 4 ) سورة الحشر : الآية 7 .
( 5 ) سورة الأحزاب : الآية 36 .