وأما الراجع إلى المعنى : فذكره تعالى - أصولا منطوية على فروع ، بعضها بيّنه النبي عليه السّلام وبعضها فوّض استنباطه إلى الراسخين في العلم تشريفا لهم وتعظيما لمحلهم ، لكي يقرّب « 1 » منزلة علماء هذه الأمة [ من ] منزلة الأنبياء في استنباطهم بعض الأحكام ، ولاختصاص هذه الأمة بهذه المنزلة الشريفة قال عليه السّلام : « كادت أمتي تكون أنبياء » « 2 » ، وعلى ذلك قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
« 3 » - الآية - وقال :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
« 4 » فجعلهم في ذلك بمنزلة الأنبياء .
فصل في انطواء القرآن على البراهين والأدلة :
ما من برهان ودلالة « 5 » وتقسيم وتحديد [ ينبئ عن ] « 6 » كليات المعلومات العقلية والسمعية ، إلا وكتاب اللّه تعالى قد نطق به ، لكن أورده تعالى على عادة العرب - دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين - لأمرين :
أحدهما : بسبب ما قال « 7 » :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 8 » .
والثاني : أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي « 9 » من الكلام . فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط « 10 » إلى الأغمض الذي لا يعرفه [ إلا ] الأقلون ما لم يكن ملغزا . فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق ، لتفهم العامة من جليها « 11 » ما يقنعهم ويلزمهم الحجة . وتفهم « 12 » الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم
هامش
( 1 ) في نسخة : تقرب .
( 2 ) هذه الجملة جزء من حديث طويل أخرجه أحمد في مسنده ج 1 ص 296 وقد جاء قبلها : « . . . فإذا أراد اللّه عز وجل أن يصدع بين خلقه نادى مناد : أين أحمد وأمته ؟ فنحن الآخرون الأولون ، فنحن آخر الأمم وأول من يحاسب فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرا محجلين من أثر الطهور . وتقول الأمم : « كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها » .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 143 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 110 .
( 5 ) في نسخة : ولا دلالة .
( 6 ) في نسخة : مبني على .
( 7 ) في نسخة : قاله .
( 8 ) سورة إبراهيم : الآية 4 .
( 9 ) في نسخة : الجليل .
( 10 ) في نسخة : تنحط .
( 11 ) في نسخة : جليلها .
( 12 ) في نسخة : ويفهم .