المفسرين المتقدمين « 1 » : المحكم هو الناسخ ، والمتشابه المنسوخ . أرادوا - واللّه أعلم - قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
« 2 » ، والنسخ هنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه اللّه ، وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد ، وهو : أن اللّه جعل المحكم مقابل المتشابه تارة ، ومقابل المنسوخ أخرى ، والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح ، كتخصيص العام ، وتقييد المطلق ، فان هذا متشابه ؛ لأنه يحتمل معنيين ، ويدخل فيه المجمل ، فإنه متشابه ، وإحكامه : رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراده ، وكذلك ما رفع حكمه ، فان في ذلك جميعه نسخا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن ، ولهذا كانوا يقولون : هل عرفت الناسخ من المنسوخ ؟ فإذا عرفت الناسخ عرفت المحكم .
وعلى هذا فيصح أن يقال : المحكم والمنسوخ ، كما يقال : المحكم والمتشابه . وقوله بعد ذلك :
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
جعل الآيات محكمة ، محكمها ومتشابهها ، كما قال :
الر . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
« 3 » ، وقال :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
« 4 » على أحد القولين . وهنالك جعل الآيات قسمين : محكما ومتشابها ، كما قال :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
« 5 » وهذه المتشابهات مما أنزله الرحمن لا مما ألقاه الشيطان ونسخه اللّه . فصار المحكم في القرآن تارة يقابل بالمتشابه ، والجميع من آيات اللّه ، وتارة يقابل بما نسخه اللّه مما ألقاه الشيطان ، ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه اللّه مطلقا ، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة ، ويجعل المنسوخ ليس محكما وإن كان اللّه أنزله أولا اتباعا للظاهر من قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ
و
يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
، فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم ينبغي التفطن لها .
هامش
( 1 ) أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس قال : المحكمات : ناسخه ، وحلاله وحرامه ، وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات : منسوخه ومقدمه ومؤخره واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به . انظر الإتقان للسيوطي ج 2 ص 2 ، 20 - 27 .
( 2 ) سورة الحج : الآية 52 .
( 3 ) سورة هود : الآية 1 .
( 4 ) سورة يونس : الآية 1 .
( 5 ) سورة آل عمران : الآية 7 . والإشارة هنالك إلى هذه السورة .