الحكماء . وعلى هذا النحو [ قال عليه الصلاة والسلام ] : « إن لكل آية ظهرا وبطنا . ولكل حرف حدا ومطلعا » « 1 » لا على ما ذهب إليه الباطنية .
ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر .
ولذلك إذا ذكر [ تعالى ] حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافتها « 2 » إلى أولي العقل ، ومرة إلى أولي العلم ، ومرة إلى السامعين ، ومرة إلى المفكرين ، ومرة إلى المتذكرين تنبيها [ على ] أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها . وذلك نحو قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 3 » وغيرها من الآيات « 4 » .
قال ابن تيمية : « في قوله :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
« 5 » دليل على أن العلم يدل على الايمان ، ليس أن أهل العلم ارتفعوا عن درجة الايمان كما تتوهمه طائفة من المتكلمة ، بل معهم العلم والإيمان كما قال تعالى :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
« 6 » ، وقال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ
« 7 » .
وعلى هذا فقوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
« 8 » نظير هذه الآية ، فإنه أخبر هنا : أن الذين أوتوا العلم يعلمون أنه الحق من ربهم ، وأخبر هناك : أنهم يقولون في المتشابه :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
وكلا الموضعين موضع شبهة لغيرهم ، وأن الكلام هناك في المتشابه ، وهنا فيما يلقى الشيطان مما ينسخه اللّه ثم يحكم اللّه آياته ، وجعل المحكم هنا ضد الذي نسخه اللّه مما ألقى الشيطان ، ولهذا قال طائفة من
هامش
( 1 ) أخرجه الفريابي من رواية الحسن مرسلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه آله وسلّم أنه قال : « لكل آية ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ، ولكل حد مطلع » . وأخرج الديلمي من رواية عبد الرحمن بن عون مرفوعا : « القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد » - الاتقان للسيوطي : ج 4 ص 196 .
( 2 ) في نسخة : بإضافته .
( 3 ) سورة الرعد : الآية 4 ، وسورة النحل : الآية 12 ، 67 .
( 4 ) جامع التفاسير ج 1 ص 72 - 76 .
( 5 ) سورة الحج : الآية 54 .
( 6 ) سورة النساء : الآية 162 .
( 7 ) سورة الروم : الآية 56 .
( 8 ) سورة آل عمران : الآية 7 .