القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم . ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
« 1 » فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا ، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث ، فدل على صحته ، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته . فيقال في مثل هذا
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ
« 2 » فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه اللّه عليه ، فلهذا قال
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ولا تسألهم عن ذلك ، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب ، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف ، أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام ، وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا ( يطول ) النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم . فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه ، أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ، فان صحح غير الصحيح عمدا فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ . كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته ، أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الأمانة ، وتكثر مما ليس بصحيح ، فهو كلابس ثوبي زور واللّه الموفق للصواب » « 3 » .
باب ترك الرواية التي بخلاف القرآن :
قال العياشي ( ره ) :
« 1 - عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في خطبة بمنى أو بمكة : « يا أيها الناس ما جاءكم عنّي يوافق القرآن فأنا قلته وما جاءكم عنّي لا يوافق القرآن فلم أقله » « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 22 .
( 2 ) سورة الكهف : الآية 22 .
( 3 ) دقائق التفسير ج 1 ص 79 - 80 وقد نقل عين هذه العبارة ابن كثير في مقدمة تفسيره ج 1 ص 8 .
( 4 ) البحار ج 1 : 144 - 145 . البرهان ج 1 : 29 .