الشرط وجزائه فيبينها ما في الصحيح ، عن عائشة : أن عروة بن الزبير سألها عنها فقالت :
« هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في الصداق . فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن » .
هذا وإن القرآن كتاب جاء لهدى أمة والتشريع لها ، وهذا الهدى قد يكون واردا قبل الحاجة ، وقد يكون مخاطبا به قوم على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما ، وقد يكون مخاطبا به جميع من يصلح لخطابه ، وهو في جميع ذلك قد جاء بكليات تشريعية وتهذيبية ، والحكمة في ذلك أن يكون وعي الأمة لدينها سهلا عليها ، وليمكن تواتر الدّين ، وليكون لعلماء الأمة مزية الاستنباط ، وإلا فإن اللّه قادر أن يجعل القرآن أضعاف هذا المنزّل وأن يطيل عمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للتشريع أكثر مما أطال عمر إبراهيم وموسى ، ولذلك قال تعالى :
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
« 1 » ، فكما لا يجوز حمل كلماته على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل مراد اللّه ، كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ولا إطلاق ما قصد منه التقييد ؛ لأن ذلك قد يفضى إلى التخليط في المراد أو إلى إبطاله من أصله ، وقد اغتر بعض الفرق بذلك ، قال ابن سيرين في الخوارج : إنهم عمدوا إلى آيات الوعيد النازلة في المشركين فوضعوها على المسلمين فجاءوا ببدعة القول بالتكفير بالذنب ، وقد قال الحرورية لعلي رضي اللّه عنه يوم التحكيم :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
« 2 » فقال علي : « كلمة حق أريد بها باطل » وفسرها في خطبة له في نهج البلاغة .
وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي : أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال ، وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم ، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين » « 3 » .
قال الزحيلي في فائدة العلم بأسباب النزول :
« إن معرفة أسباب نزول الآيات بحسب الوقائع والمناسبات لها فوائد كثيرة وأهمية
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية 3 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 57 .
( 3 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 46 - 50 .