يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ
« 1 » ، وقال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
« 2 » .
فلما علم تعالى أن قد صار لهم قوة يمكنهم أن ينظروا من آلائه « 3 » إلى أفعالهم ، قال تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
« 4 » ، [ وقال ] :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 5 » فأضاف أفعالهم إلى نفسه عند تناهي معارفهم بخلاف ما فعل في الأول .
فإذا تقررت « 6 » هذه الجملة علم أنه لا فاعل في الحقيقة منفردا غير اللّه تعالى ، إذ كل فاعل يحتاج إلى معاون على ما تقدم البيان فيها ، واللّه تعالى : كل أفعاله « 7 » إبداع لا في مادة ولا من شيء ولا على مثال ولا في زمان ولا في مكان ، ولا بآلة ولا بمرشد ومعين .
فهو الفاعل الحقيقي وما سواه فاعل على ضرب من التوسع . وبهذا النظر ورد الشرع وأجمع الصدر الأول من المؤمنين [ على ] ان الأفعال كلها بمشيئة اللّه وإرادته ، ومن جهته .
وأطلقوا على « اللّه » لفظ « الشيء » كما يطلق على غيره ، بنظرين مختلفين : فإن بعض الناس قد ذكر أن « الشيء » في الأصل مصدر « شاء » فإذا استعمل فيه تعالى فبمعنى « الشائي » ، وإذا استعمل في غيره فبمعنى « المنشاء » « 8 » وذلك في اللغة مستمر ، لأن المصدر يطلق على الفاعل والمفعول جميعا . قال : وتصور هذه الحقيقة من لفظة « الشيء » مما ينبهنا أن هذه اللغة من جهة اللّه تعالى .
فصل في بيان الألفاظ التي تجيء متنافية [ في الظاهر ]
كثيرا ما يجيء ألفاظ « 9 » في الظاهر كالمتنافي عند من لم يتدرب بالبراهين العقلية والعلوم الحقيقة ، وربما يغالط الملحد [ بألفاظ القرآن ] « 10 » العجزة فيشككهم ، مثل أن يقول : قد ثبت [ في بداهة ] « 11 » العقول أن النفي والاثبات في الخبر الواحد إذا اجتمعا لا بد
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : الآية 17 .
( 2 ) سورة النور : الآية 40 .
( 3 ) في نسخة : الآية .
( 4 ) سورة الأنفال : الآية 17 .
( 5 ) سورة الأنفال : الآية 17 .
( 6 ) في نسخة : تفردت . وهو تصحيف .
( 7 ) في نسخة : فأفعاله .
( 8 ) في نسخة : « المشي » .
( 9 ) في نسخة : الألفاظ .
( 10 ) في نسخة : بألفاظ من القرآن في نحو ذلك .
( 11 ) في نسخة : من بداية .