وبيان ذلك : ان [ الأفعال التي نباشرها ] « 1 » تعتبر على وجهين : [ أحدهما ] بالإضافة إلى مباشره ، فيقال : فعل فلان كذا ، ولم يفعل كذا . والثاني : في الاعتبار بميسّره والمقدر له والموفق لسبيله ، وانه لولا سوابق نعمه لما وجد ذلك ، بل ما وجد [ شيء من ] « 2 » أفعالنا وذواتنا ، وأنه تعالى السبب الأول الذي يصح ارتفاع ما سواه ، ولا يصح ارتفاعه - تعالى علوا كبيرا « 3 » .
فإذا : النظر إلى أفعالنا وإلى من يسّرها لنا نظر أن :
- نظر من أفعالنا إلى فعل الباري ، فيتوصل بها إلى معرفته .
- ونظر من إنعامه علينا بقوانا وتسهيل سبيلنا إلى إيجاد أفعالنا .
وهذا الثاني لا سبيل إلى تصوره لمن لم يتقوّ « 4 » في الأول ، ولم يجعله ذريعة للوصول « 5 » إلى هذا .
وبهذا السبيل دعا الناس إلى الإيمان فقال :
آمِنُوا بِاللَّهِ
« 6 » ،
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
« 7 » ،
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 8 » .
فلما نبههم « 9 » عرفهم أن ذلك كله بتوفيقه ، فقال :
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ
هامش
( 1 ) في نسخة : الفعل الذي نباشره .
( 2 ) في نسخة : في .
( 3 ) ذكر المؤلف في كتابه « الذريعة إلى مكارم الشريعة » ص 224 وما قبلها ما جاء في هذا الفصل ، وزاد عليه بعض الأمثلة بعد قوله : « ويقال : قطعه السكين لم تقطعه » فقال :
« وفلان هداه اللّه وهداه الرسول وهداه القرآن وهداه فهمه ، فنسب إلى كل ذلك . وقال« أَضَلَّهُ اللَّهُ »لما كان تعالى هو السبب الأول في وجوده ووجود الآلة ، وإن لم يكن تعالى هو الداعي إلى الضلال . وأضلته نفسه لما تركت الاحتراز . وهذا فصل من تأمله لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ فينظر من اللفظ إلى المعنى ، بل ينظر في مثل هذا من المعنى إلى اللفظ . واعلم أنه من أجل هذا الذي قدمناه قال قوم من المخلصين : لا شيء من الأفعال فاعله واحد في الحقيقة إلا اللّه عز وجل ، فإن فعله - عز وجل - يستغني عن الزمان والمكان والمادة ومثال يحتذيه ، ومن عداه من الفاعلين لا بد له من كل ذلك أو بعضه ، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازا . ويصح أن ينسب فعل اللّه تعالى إلى كلما تقدم ذكره » .
( 4 ) في نسخة : يوفق .
( 5 ) في نسخة : إلى الوصول .
( 6 ) سورة الحديد : الآية 7 .
( 7 ) سورة الكهف : الآية 88 .
( 8 ) سورة النجم : الآية 39 .
( 9 ) في نسخة : نبأهم .