تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
لا يجوز لأحد القول فيه ، إلا ببيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم له تأويله ، بنص منه عليه ، أو بدلالة قد نصبها ، دالة أمته على تأويله . وأنّ منه ما لا يعلم تأويله إلا اللّه الواحد القهار . وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة ، وأوقات آتية ، كوقت قيام الساعة ، والنفخ في الصور ، ونزول عيسى بن مريم ، وما أشبه ذلك : فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها ، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها ، لاستئثار اللّه بعلم ذلك على خلقه . وبذلك أنزل ربنا محكم كتابه ، فقال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 1 » . وكان نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا ذكر شيئا من ذلك ، لم يدل عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته ، كالذي روي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال لأصحابه ، إذ ذكر الدجال : « إن يخرج وأنا فيكم ، فأنا حجيجه ، وإن يخرج بعدي ، فاللّه خليفتي عليكم » ، وما أشبه ذلك من الأخبار - التي يطول باستيعابها الكتاب - الدالة على أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن عنده علم أوقات شيء منه بمقادير السنين والأيام ، وأن اللّه جل ثناؤه إنما كان عرفه مجيئه بأشراطه ، ووقته بأدلته . وأنّ منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن . وذلك : إقامة إعرابه ، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم . وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
« 2 » لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة ، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة ، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا ، والمعاني التي جعلها اللّه إصلاحا ، فالذي يعلمه ذو اللسان - الذي بلسانه نزل القرآن - من تأويل القرآن ، هو ما وصفت : من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة ، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 187 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 11 - 12 .