يقول في قوله تعالى :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
« 1 » فيفسر مبصرة بأنها ذات بصر لم تكن عمياء ، فهذا من الرأي المذموم لفساده .
ثالثها : أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن على وفق رأيه ويصرفه عن المراد ويرغمه على تحمله ما لا يساعد عليه المعنى المتعارف ، فيجر شهادة القرآن لتقرير رأيه ويمنعه عن فهم القرآن حق فهمه ما قيد عقله من التعصب ، عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مذهبه ، حتى إن لمع له بارق حق وبدا له معنى يباين مذهبه حمل عليه شيطان التعصب حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقدك ؟ كمن يعتقد من الاستواء على العرش التمكن والاستقرار ، فإن خطر له أن معنى قوله تعالى :
الْقُدُّوسُ
« 2 » أنه المنزه عن كل صفات المحدثات حجبه تقليده عن أن يتقرر ذلك في نفسه ، ولو تقرر لتوصل فهمه فيه إلى كشف معنى ثان أو ثالث ، ولكنه يسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته مذهبه . . .
رابعها : أن يفسر القرآن برأي مستند إلى ما يقتضيه اللفظ ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك من التضييق على المتأولين .
خامسها : أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك ، وهذا مقام تفاوت العلماء فيه واشتد الغلو في الورع ببعضهم حتى كان لا يذكر تفسير شئ غير عازية إلى غيره . وكان الأصمعي لا يفسر كلمة من العربية إذا كانت واقعة في القرآن ، ذكر ذلك في المزهر فأبى أن يتكلم في : أن سرى وأسرى بمعنى واحد ، لأن أسرى ذكرت في القرآن . ولا في : أن عصفت الريح وأعصفت بمعنى واحد ؛ لأنها في القرآن ، وقال : الذي سمعته في معنى الخليل : أنه أصفى المودة وأصمها ولا أزيد فيه شيئا لأنه في القرآن - ا ه فهذا ضرب من الورع يعترى بعض الناس لخوف ، وأنه قد يعترى كثيرا من أهل العلم والفضل ، وربما تطرق إلى بعضهم في بعض أنواع الأحوال دون بعض ، فتجد من يعتريه ذلك في العلم ولا يعتريه في العقل ، وقد تجد العكس ، والحق أن اللّه ما كلفنا في غير
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 59 .
( 2 ) سورة الحشر : الآية 23 وسورة الجمعة : الآية 1 .