تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أخطأ ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله ، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه . وقال ابن عطية : « ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه عز وجل فيتسور « 1 » عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء ، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول ؛ وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه ، ويقول كل واحد باجتهاده المبنى على قوانين علم ونظر ؛ فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه » . قلت : هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء ، فإن من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ ، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها فهو ممدوح . وقال بعض العلماء : إن التفسير موقوف على السماع ؛ لقوله تعالى :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
« 2 » . وهذا فاسد ؛ لأن النهى عن تفسير القرآن لا يخلو : إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط ، أو المراد به أمرا آخر ، وباطل أن يكون المراد به ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه ؛ فإن الصحابة رضى اللّه عنهم قد قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه ، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؛ فإن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دعا لابن عباس وقال : « اللّهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التأويل » . فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك ! وهذا بين لا إشكال فيه ؛ وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة « النساء » إن شاء اللّه تعالى . وإنما النهى يحمل على أحد وجهين : أحدهما - أن يكون له في الشيء رأى ، وإليه ميل من طبعه وهواه ؛ فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه ، ليحتج على تصحيح غرضه ، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى . وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته ، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك ، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه ؛ وتارة يكون مع الجهل ، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه
هامش
( 1 ) قوله : فيتسور عليه . تسور الحائط . هجم مثل اللص . ويعنى به هنا التهجم والإقدام بغير بصيرة ولا نذير . ( 2 ) سورة النساء : الآية 59 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 261 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية