تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة . قال بعضهم : ارتفع على العرش علا على العرش . وقال بعضهم عبارات أخرى ، وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب - الرد على الجهمية - . وأما التأويلات المحرفة مثل استوى وغير ذلك ؛ فهي من التأويلات المبتدعة لما ظهرت الجهمية . وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات ، بل في صحيح البخاري : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال لعائشة : « يا عائشة إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللّه فاحذريهم » وهذا عام . وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا ، فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن :
الذَّارِياتِ ذَرْواً
« 1 » فقال ما اسمك ؟ قال عبد اللّه بن صبيغ ، فقال : وأنا عبد اللّه عمر ، وضربه الضرب الشديد . وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول : ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ . وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : « إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه » ، وكما قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
« 2 » فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد ، كالذي يعارض بين آيات القرآن ، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ذلك وقال : « لا تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض فان ذلك يوقع الشك في قلوبهم » . ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا اللّه ، فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنها . ومما يبين الفرق بين المعنى والتأويل : أن صبيغا سأل عمر عن الذاريات وليست من الصفات ، وقد تكلم الصحابة في تفسيرها ، مثل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء - لما سأله عنها - كره سؤاله لما رآه من قصده ، ولكن عليا كانت رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه . والذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات فيها اشتباه ، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك ، إذ
هامش
( 1 ) سورة الذّاريات : الآية 1 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 7 .