تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » كيف استوى ؟ ، فقال : « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » ، وكذلك ربيعة قبله . وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول فليس [ أحد ] من أهل السنة ينكره . وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ، ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال : كيف استوى . ولم يقل مالك : الكيف معدوم ، وإنما قال : الكيف مجهول . وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة ، غير أن أكثرهم يقولون : لا تخطر كيفيته ببال ، ولا تجري ماهيته في مقال . ومنهم من يقول ليس له كيفية ولا ماهية . فإن قيل : معنى قوله الاستواء معلوم ، أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر اللّه بعلمه . قيل : هذا ضعيف . فإن هذا من باب تحصيل الحاصل ، فان السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية . وأيضا فلم يقل : ذكر الاستواء في القرآن ولا إخبار اللّه بالاستواء ، وإنما قال الاستواء معلوم . فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم ، ولم يخبر عن الجملة . وأيضا فإنه قال : الكيف مجهول ، ولو أراد ذلك لقال : معنى الاستواء مجهول أو تفسير الاستواء مجهول ، أو بيان الاستواء غير معلوم ، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء . وهذا شأن جميع ما وصف اللّه به نفسه ، لو قال في قوله :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
« 2 » كيف يسمع وكيف يرى ؟ لقلنا السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول . ولو قال : كيف كلم موسى تكليما ؟ لقلنا : التكليم معلوم والكيف غير معلوم . وأيضا : فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة ؛ يقرون بأن اللّه فوق العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش ، لا ينكرون معنى الاستواء ، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية .
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 5 . ( 2 ) سورة طه : الآية 46 .