ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
« 1 » ،
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
« 2 » ،
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
« 3 » ،
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
« 4 » ،
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
« 5 » إلى أمثال ذلك .
فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه : أتقول هذا في جميع ما سمى اللّه ووصف به نفسه أم في البعض ؟ .
فإن قلت : هذا في الجميع ، كان هذا عنادا ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، بل كفر صريح ، فإنا نفهم من قوله :
أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
معنى ، ونفهم من قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
معنى ليس هو الأول . ونفهم من قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ
« 6 » معنى . وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا . وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة من يقول : إنا نسمى اللّه الرحمن العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شئ قط ، وكذلك في قوله :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
« 7 » يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم « 8 » .
. . . . والصواب ما عليه أئمة الهدى ، وهو أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان . والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة ، لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه ، ولا يعرض عنها فيكون من باب :
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ
هامش
( 1 ) سورة ص : الآية 75 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 64 .
( 3 ) سورة الرحمن : الآية 27 .
( 4 ) سورة الكهف : الآية 28 .
( 5 ) سورة طه : الآية 39 .
( 6 ) سورة إبراهيم : الآية 47 .
( 7 ) سورة البقرة : الآية 255 .
( 8 ) يوضح ابن تيمية هنا موقف علماء الكلام في قضية الصفات وخاصة المعتزلة والأشاعرة ويحاول أبطال مذهبهم .
ذلك أن المعتزلة - كما يرى ابن تيمية - ينفون الصفات ويثبتون الأسماء فقط كاعلام مجردة عن معناها . ويبطل ابن تيمية هذا الرأي ، لان اثبات الاسم دون معناه المتضمن فيه لا يقول به عاقل ؛ فان اللّه لم يسم نفسه بالرحمن الرحيم الا لملاحظة معنى الرحمة في أفعاله . فلو جعلنا الرحمن علما مجردا عن معنى الرحمة كان هذا تعطيلا للصفة المتضمنة في الاسم .