يدّعوا أنهم علموه لأنه كان بمرأى من قومه في مكة ، بعيدا عن أهل الكتاب الذين كان مستقرهم بقرى النضير وقريظة وخيبر وتيماء وبلاد فلسطين ، ولأنه جاء بنسخ دين اليهودية والنصرانية ، والإنحاء على اليهود والنصارى في تحريفهم فلو كان قد تعلم منهم لأعلنوا ذلك وسجلوا عليه أنه عقهم حق التعليم .
وأما الجهة الرابعة وهي الإخبار بالمغيبات : فقد اقتفينا أثر من سلفنا ممن عد ذلك من وجوه الإعجاز اعتدادا منا بأنه من دلائل كون القرآن منزلا من عند اللّه ، وإن كان ذلك ليس له مزيد تعلق بنظم القرآن ودلالة فصاحته ، وبلاغته على المعاني العليا ، ولا هو كثير في القرآن ، وسيأتي التنبيه على جزئيات هذا النوع في تضاعيف هذا التفسير إن شاء اللّه .
وقد جاء كثير من آيات القرآن بذلك منها قوله :
ألم غُلِبَتِ الرُّومُ
الآية ، روى الترمذي في تفسيرها عن ابن عباس قال : كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم لأنهم أهل كتاب ، فذكره أبو بكر لرسول اللّه فنزل قوله تعالى :
ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ
« 1 » فخرج أبو بكر يصيح بها في نواحي مكة ، فقال له ناس من قريش أفلا نراهنك على ذلك ؟ قال بلى وذلك قبل تحريم الرهان ، فلما كانت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس وأسلم عند ذلك كثير من قريش .
وقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
« 2 » .
وقوله :
لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
« 3 » فما حدث بعد ذلك من المراكب منبأ به في هذه الآية .
وقوله :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
« 4 » نزلت قبل فتح مكة بعامين .
وقوله :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
هامش
( 1 ) سورة الرّوم : الآية 1 - 4 .
( 2 ) سورة النّور : الآية 55 .
( 3 ) سورة النّحل : الآية 8 .
( 4 ) سورة الفتح : الآية 1 .