عنهما شارحوه : الأولى أن قوله : ما مثله آمن عليه البشر ، اقتضى أن كل نبي جاء بمعجزة ، هي إعجاز في أمر خاص كان قومه أعجب به وأعجز عنه فيؤمنون على مثل تلك المعجزة .
ومعنى آمن عليه أي : لأجله وعلى شرطه ، كما تقول : على هذا يكون عملنا أو اجتماعنا .
الثانية : أن قوله : « وإنما كان الذي أوتيت وحيا » اقتضى أن ليست معجزته من قبيل الأفعال كما كانت معجزات الرسل الأولين أفعالا لا أقوالا ، كقلب العصا وانفجار الماء من الحجر ، وإبراء الأكمه والأبرص ، بل كانت معجزته ما في القرآن من دلالة على عجز البشر عن الإتيان بمثله من جهتي اللفظ والمعاني ، وبذلك يمكن أن يؤمن به كل من يبتغى إدراك ذلك من البشر ويتدبره ، ويفصح عن ذلك تعقيبه بقوله : « فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » إذ قد عطف بالفاء المؤذنة بالترتب ، فالمناسبة بين كونه « أوتى وحيا » وبين كونه « يرجو أن يكون أكثرهم تابعا » لا تنجلى إلا إذا كانت المعجزة صالحة لجميع الأزمان ، حتى يكون الذين يهتدون لدينه لأجل معجزته أمما كثيرين على اختلاف قرائحهم ، فيكون هو أكثر الأنبياء تابعا لا محالة ، وقد تحقق ذلك لأن المعنى بالتابع ، التابع له في حقائق الدين الحق لا اتباع الادعاء والانتساب بالقول . ولعل الرجاء متوجه إلى كونه أكثر من جميعهم تابعا أي أكثر أتباعا من أتباع جميع الأنبياء كلهم ، وقد أغفل بيان وجه التفريع في هذا اللفظ النبوي البليغ .
وهذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه أي مجموع هذا الكتاب ، إذ ليست كل آية من آياته ولا كل سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز ، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن وغير حاصل به التحدي إلا إشارة ، نحو قوله :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » .
وإعجاز من هذه الجهة للعرب ظاهر : إذ لا قبل لهم بتلك العلوم كما قال اللّه تعالى :
ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
« 2 » .
وإعجازه لعامة الناس أن تجىء تلك العلوم من رجل نشأ أميا في قوم أميين .
وإعجازه لأهل الكتاب خاصة إذ كان ينبئهم بعلوم دينهم مع كونه أميا ، ولا يقبل لهم بأن
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .
( 2 ) سورة هود : الآية 49 .