فمن طرق إعجازه العلمية أنه دعا للنظر والاستدلال ، قال في الشفاء : « ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد للعرب ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على طرق الحجة العقلية ، والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة ، كقوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 1 » وقوله :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
« 2 » .
وقد فتح الأعين إلى فضائل العلوم بأن شبه العلم بالنور وبالحياة ، كقوله :
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
« 3 » وقوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
« 4 » وقال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 5 » وقال :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
« 6 » .
وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة .
هذا والشاطبي قال في الموافقات : « إن القرآن لا تحمل معانيه ولا يتأوّل إلّا على ما هو متعارف عند العرب » ولعل هذا الكلام صدر منه في التفصي من مشكلات في مطاعن الملحدين اقتصادا في البحث وإبقاء على نفيس الوقت ، وإلا فكيف ينفى إعجاز القرآن لأهل كل العصور ، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد عصر العرب على الاستدلال بعجز أهل زمانه إذ عجزوا عن معارضته ، وإذ نحن نسلم لهم التفوق في البلاغة والفصاحة ، فهذا إعجاز إقناعى بعجز أهل عصر واحد ولا يفيد أهل كل عصر إدراك طائفة منهم لإعجاز القرآن . وقد بينت نقض كلام الشاطبي في أواخر المقدمة الرابعة « 7 » . وقد بدت لي حجة لتعلق هذه الجهة الثالثة بالإعجاز ودوامه وعمومه وهي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « ما من الأنبياء نبي إلا أوتى - أو أعطى - من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللّه إلى وإني أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » ففيه نكتتان غفل
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 22 .
( 2 ) سورة يس : الآية 81 .
( 3 ) سورة يس : الآية 70 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 257 وسورة المائدة : الآية 16 .
( 5 ) سورة العنكبوت : الآية 43 .
( 6 ) سورة الزّمر : الآية 9 .
( 7 ) انظر المحرر الوجيز ج 1 ص 44 .