تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما ادركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة ، فهل يتأتّى القوة البشرية أن تختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تأتى بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن تشرّع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل أمي لم يتربّ إلا في حجر قوم حظهم من الإنسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيّا ، أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال ، وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد خشية إملاق ، ويفتخروا بالآباء وينكحوا الأمهات ويتباهوا بالفجور ، ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل ، وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف ، فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية . وهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى ويستقبل ، وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ، ثم لا يتخلف شيء منها عن صراط الصدق ؟ . وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار دار التحول والتكامل ، أن يداخل في كل شأن من شؤون العالم الإنساني ، ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ، ثم لا يختلف حاله في شيء منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإلقاء ، وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة . فالانسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 500 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية