والرابعة : ان يجعل [ له ] في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ، ويقال له : المسجّع .
والخامسة : ان يجعل له مع ذلك وزن مخصوص ، ويقال له : الشعر . وقد انتهى .
وبالحق صار كذلك : فإن الكلام إما منثور فقط ، أو مع النثر نظم ، أو مع النظم سجع ، أو مع السجع وزن .
والمنظوم : إما محاورة ، ويقال له « 1 » : الخطابة ، أو مكاتبة ، ويقال لها : الرسالة ، وأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة . ولكل من ذلك نظم مخصوص .
والقرآن حاو لمحاسن جميعها بنظم ليس هو نظم شيء منها بدلالة أنه لا يصح أن يقال :
القرآن رسالة ، أو خطابة ، أو شعر ، كما يصح أن يقال : هو كلام ، ومن قرع سمعه فصل بينه وبين سائره النظم . ولهذا قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
« 2 » تنبيها أن تأليفه ليس [ على ] هيئة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر .
فإن قيل : ولم لم [ يبلغ بنظم ] « 3 » القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد علم أن للموزون من الكلام [ مرتبة أعلى ] « 4 » من مرتبة المنظوم غير الموزون ، إذ كل موزون منظوم وليس كل منظوم موزونا ؟
قيل : إنما جنب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصية « 5 » في الشعر منافية للحكمة الإلهية ، فإن « 6 » القرآن [ هو ] مقر الصدق ، ومعدن الحق . وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحق ، وتجاوز الحدّ في المدح والذم دون استعمال الحق في تحرّي الصدق ، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرى الحق إلا بالعرض . ولهذا يقال : من كانت قوته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر . ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضه أقصر . ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب ، نزّه اللّه نبيه عليه السّلام عنه لما كان مرشحا لصدق المقال ، وواسطة بين اللّه وبين العباد ، فقال تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
« 7 » فنفى ابتغاءه
هامش
( 1 ) في نسخة : لها .
( 2 ) سورة فصلت : الآية 41 - 42 .
( 3 ) في نسخة : يتبع نظم .
( 4 ) في نسخة : أعلى مرتبة .
( 5 ) في نسخة : بخاصية
( 6 ) في نسخة : وهو أن .
( 7 ) سورة يس : الآية 69 .