فأما ما كان نوعه مقدورا ، فمحلّه محل الأفضل [ ( وما كان من باب الأفضل ) ] في النوع فإنه لا يحسم نسبة ما دونه إليه . وإن تباعدت النسبية حتى صارت « 1 » جزءا من ألف ، فإن النجار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزا إذا استطاع غيره جنس فعله ، فنقول وباللّه التوفيق :
إن الإعجاز في « 2 » القرآن على وجهين : أحدهما : إعجاز متعلق بفصاحته ، والثاني :
بصرف الناس عن معارضته « 3 » :
فأما الإعجاز المتعلّق بالفصاحة : فليس يتعلق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ، وذاك أن ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
« 4 » وقال :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
« 5 » تنبيها أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي
هامش
( 1 ) في نسخة : صار .
( 2 ) في نسخة : استعمله .
( 3 ) يقول ابن تيمية في كتابه « الجواب الصحيح : ج 4 ص 75 : « ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام :
إنه معجز بصرف الدواعي مع قيام الموجب لها ، أو بسلب القدرة الجازمة وهو أن اللّه صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبا عاما ، مثل قوله تعالى لزكريا :آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّافإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل ، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله ، فامتناعهم - جميعهم - عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادات ، بمنزلة من يقول : إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم ، وأضربهم جميعهم وأجوعهم ، وهم قادرون على أن يشكوا إلى اللّه أو إلى وليّ الأمر ، وليس فيهم مع ذلك من يشتكي ، فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة . ولو قدّر أن واحدا صنّف كتابا يقدر أمثاله على تصنيف مثله ، أو قال شعرا يقدر أن يقولوا مثله ، وتحداهم كلهم فقال : عارضوني ، وإن لم تعارضوني ، فأنتم كفار مأواكم النار ، ودماؤكم لي حلال ، امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد . فإذا لم يعارضوه كان هذا من العجائب الخارقة للعادة .
والذي جاء بالقرآن قال للخلق كلهم : أنا رسول اللّه إليكم جميعا ومن آمن بي دخل الجنة ، ومن لم يؤمن بي دخل النار وقد أبيح لي قتل رجالهم وسبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم ، ووجب عليهم كلهم طاعتي ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق ، ومن آياتي هذا القرآن ، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله . وأنا أخبركم أن أحدا لا يأتي بمثله . فيقال : لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين : فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه بل صرف اللّه دواعي قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه ، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل : معجزتي أن كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الاكل والشرب ، فإن المنع من المعتاد كاحداث غير المعتاد .
فهذا من أبلغ الخوارق ، وإن كانوا عاجزين ثبت أنه خارق للعادة على تقدير النقيضين النفي والإثبات فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر . فهذا غاية التنزل . . . )
( 4 ) سورة يوسف : الآية 2 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 1 .