له . وقال :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ
« 1 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب ، سمّى أصحاب البراهين الأقيسة المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق وقد تكلم الناس فيه .
وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته : فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة ، الا وبينها وبين قوم مناسبات خفية ، واتفاقات إلهية ، بدلالة أن الواحد « 2 » يؤثر حرفة من الحرف فينشرح « 3 » صدره بملابستها ، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب ، ويتعاطاها بانشراح صدر . وقد تضمن ذلك قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
« 4 » ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 5 » .
فلما رئي « 6 » أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الاتيان بمثله ، وليس تهتز غرائزهم البتة « 7 » للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا الهيا يصرفهم عن ذلك ، وأي إعجاز أعظم من أن تكون « 8 » كافة البلغاء مخيرة في الظاهر أن يعارضوه ، ومجبرة في الباطن عن ذلك . وما أليقهم بانشاد ما قال أبو تمام :
فإن نك أهملنا فاضعف بسعينا * وإن نك أجبرنا ففيم نتعتع
« 9 »
هامش
( 1 ) سورة الحاقة : الآية 41 .
( 2 ) في نسخة : الواحد فالواحد .
( 3 ) في نسخة : لينشرح .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 48 .
( 5 ) الحديث في البخاري : كتاب التفسير « تفسير سورة والليل إذا يغشى » ، وكتاب الجنائز : باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ، وكتاب الأدب : باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض ، وكتاب القدر : باب « وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، وكتاب التوحيد : باب قول اللّه تعالى : « ولقد يسرنا القرآن للذكر » . ورواه مسلم في القدر برقم ( 2647 ) وأبو داود برقم ( 4694 ) والترمذي برقم ( 2137 ) و ( 3341 ) .
( 6 ) في نسخة : روى .
( 7 ) في نسخة : لن .
( 8 ) في نسخة : يكون .
( 9 ) البيت في الديوان : ج 2 ص 325 - طبعة دار المعارف - وقد قال الخطيب التبريزي في شرحه : « يقول : ان خلينا والدنيا لينال كل منها بقدر طاقته وسعيه ، فما أضعف سعينا وأخلق بأن لا ننال منه شيئا . وان نك أجبرنا على ما نحن فيه من الغنى والفقر ، ففيم نهذي ونردد في الكلام ! ؟ « والتعتعة » : ترديد الكلام .