والثامن : أن إعجازه هو الصرفة « 1 » ، وهو أن اللّه تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم أن يأتوا بسورة من مثله ، فلم تحركهم أنفة التحدي ، فصبروا على نقص العجز ، فلم يعارضوه ، وهم فصحاء العرب مع توفر دواعيهم على إبطاله ، وبذل نفوسهم في قتاله ، فصار بذلك معجزا لخروجه العادة كخروج سائر المعجزات عنها .
واختلف من قال بهذه الصرفة على وجهين :
أحدهما : أنهم صرفوا عن القدرة عليه ، ولو تعرضوا لعجزوا عنه .
والثاني : أنهم صرفوا عن التعرض له ، مع كونه في قدرتهم ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه .
فهذه ثمانية أوجه ، يصح أن يكون كل واحد منها إعجازا ، فإذا جمعها القرآن وليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزا بأولى من غيره ، صار إعجازه من الأوجه الثمانية ، فكان أبلغ في الإعجاز ، وأبدع في الفصاحة والإيجاز » « 2 » .
قال الراغب : « . . . وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزا ، فليس بمقنع إلا بتبيين فصلين :
أحدهما : أن يبين ما الذي هو معجز : اللفظ أم « 3 » المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة .
والثاني : أن المعجز : هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام .
هامش
عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق وقد ضعفنا إسناده هناك بالحارث الأعور وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب اه . تخريج الطبري ج 1 ص 172 .
أقول : ومما يؤيد الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير أن الإمام الطبري قد رواه موقوفا عن علي بن أبي طالب من طريق أبي المختار الطائي عن الحارث الأعور عن علي ج 1 ص 173 وقد ضعف الحديث كل من الشيخ الألباني في المشكاة ج 1 ص 660 والشيخ أحمد شاكر بقوله إسناده ضعيف جدا تخريج الطبري ج 1 ص 172 .
فائدة : استوفى الإمام الدارقطني رحمه اللّه جميع طرق الحديث والكلام على علله في كتابه القيم العلل فانظره هناك ج 3 ص 140 . وما بعدها .
( 1 ) وهذا الوجه ضعفه ابن تيمية ووصفه بأنه أضعف الأقوال وهو قول أهل الكلام وقد رد هذا الوجه أيضا الخطابي .
راجع الدقائق ج 1 ص 155 ، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للخطابي ص 21 .
( 2 ) النكت والعيون ج 1 ص 30 - 33 .
( 3 ) في نسخة : أو .