وهذا الاستدلال يجري في كل حكم شرعي ، رتبه أهل البيت عليهم السّلام على قراءة سورة كاملة ، أو آية تامة .
دعوى وقوع التحريف من الخلفاء : الدليل الخامس -
أن القائل بالتحريف إما أن يدعى وقوعه من الشيخين ، بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإما من عثمان بعد انتهاء الأمر اليه ، وإما من شخص آخر بعد انتهاء الدور الأول من الخلافة ، وجميع هذه الدعاوى باطلة . أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر ، فيبطلها انهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين ، وإنما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن اليهما بتمامه ، لأنه لم يكن مجموعا قبل ذلك ، وإما أن يكونا متعمدين في هذا التحريف ، وإذا كانا عامدين فاما أن يكون التحريف الذي وقع منهما في آيات تمس بزعامتهما ، وإما أن يكون في آيات ليس لها تعلق بذلك ، فالاحتمالات المتصورة ثلاثة :
أما احتمال عدم وصول القرآن اليهما بتمامه فهو ساقط قطعا ، فان اهتمام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأمر القرآن بحفظه ، وقراءته ، وترتيل آياته ، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظا عندهم ، جمعا أو متفرقا ، حفظا في الصدور ، أو تدوينا في القراطيس . وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية وخطبها ، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز ، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته ، وإعلان أحكامه ، وهجروا في سبيله أوطانهم ، وبذلوا أموالهم ، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم ، ووقفوا المواقف التي بيضوا بها وجه التاريخ . وهل يحتمل عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن ؟ حتى يضيع بين الناس ، وحتى يحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين وهل هذا إلا كاحتمال الزيادة في القرآن ، بل كاحتمال عدم بقاء شيء من القرآن المنزل ؟ . على أن روايات الثقلين المتظافرة « المتقدمة » دالة على بطلان هذا الاحتمال ، فان قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي » لا يصح إذا كان بعض القرآن ضائعا في عصره ، فان المتروك حينئذ يكون بعض الكتاب لا جميعه ، بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن ، وجمعه في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأن الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرقات ، ولا على المحفوظ في الصدور . « وسنتعرض للكلام فيمن جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم » ، وإذا سلم عدم اهتمام المسلمين بجمع القرآن على عهده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم