تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
أنبيائه ، فان اللّه عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين ، كما قال في كتابه وبحسب جلالة منزلة نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عند ربه ، كذلك عظم محنته بعدوه الذي عاد منه إليه في حال شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه ، وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه ، واجتهاده ومن مالاه على كفره وعناده ونفاقه والحاده في ابطال دعواه وتغيير ملته ومخالفة سنته ، ولم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه وايحاشهم منه وصدهم عنه ، وإغرائهم بعداوته والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به ، واسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل وكفر ذوي الكفر منه وممن وافقه على ظلمه وبغيه وشركه ، ولقد علم اللّه ذلك منهم فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا
« 1 » ، وقال :
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ
« 2 » ، ولقد احضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف الف ولا لام ، فلما وقفوا على ما بينه اللّه من أسماء أهل الحق والباطل وان ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه ، قالوا : لا حاجة لنا فيه نحن مستغنون عنه بما عندنا ، ولذلك قال :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
« 3 » ، ثم دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله إلى جمعه وتأليفه وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم ، فصرح مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به ، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم إلى معاداة أولياء اللّه فألفه على اختيارهم وما يدل للتأمل على اختلال تمييزهم وافترائهم ، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم وهو عليهم ، وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره ، وعلم اللّه أن ذلك يظهر ويبين ، فقال : ذلك مبلغهم من العلم ، وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم وافتراؤهم ، والذي بدا في الكتاب من الإزراء على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من فرية الملحدين ، ولذلك قال : يقولون منكرا من القول وزورا . ويذكر جل ذكره لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
« 4 » ، يعني أنّه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنهم إلى دار الإقامة ، الا ألقى الشيطان المعرض بعداوته عند
هامش
( 1 ) سورة فصّلت : الآية 40 . ( 2 ) سورة الفتح : الآية 15 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 187 . ( 4 ) سورة الحج : الآية 52 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 502 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية