فلو جمعته وكتبته « 1 » .
فكر أبو بكر في الأمر واستشار فيه الصحابة ، وكان يفزع من أن يضع شيئا لم يأمر به الرسول الأعظم صلوات اللّه عليه ، ولذلك قال أبو بكر لعمر : أفعل ما لم يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ! ! وأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت يستشيره في الأمر ، فكره ذلك ، فقال عمر لهما :
وما عليكما لو فعلتما ذلك ، حتى ألهمهما اللّه به ، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمع القرآن كله من الرقاع وصدور الرجال ، ونسخه في قطع الأديم والأكتاف والعسب ، وسمى أبو بكر هذه الألواح المكتوبة التي جمع فيها جميع القرآن الكريم مصحفا ، وحفظت هذه الصحف عند أبي بكر حتى توفى ، ثم عند عمر طول حياته ، ثم حفصة بنت عمر صدرا من ولاية عثمان .
وهذا هو الجمع الأول ، وقد حدث في عهد أبى بكر على يد زيد بن ثابت « 2 » وبإشراف الخليفة وعمر وكبار الصحابة ، وكان الغرض منه جمع نص القرآن الكريم في مجموعة واحدة ، حتى لا يضيع شئ منه بموت الصحابة والقراء في الغزوات والحروب .
وفي عهد عثمان تفرق الصحابة والقراء في الأمصار ، فكان ابن مسعود في الكوفة ، وأبو موسى الأشعري في البصرة ، والمقداد بن الأسود في دمشق ، وأخذ عنهم أهل تلك البلاد وجوه القراءة والترتيل ، مما أدى إلى تعدد القراءات واختلاف المسلمين في قراءة القرآن اختلافا كثيرا ، حتى كان الواحد منهم يقول للآخر : قراءتي خير من قراءتك ، والآخر يقول : بل قراءتي ، واستمر الأمر على ذلك إلى أن شهد حذيفة بن اليمان - وهو صحابي جليل - غزوة أذربيجان وغزوة أرمينية وشاهد هذا الاختلاف الوبيل ، وحذر من سوء المصير إذا استمر هذا الاختلاف .
فأرسل عثمان إلى حفصة يستأذنها في أخذ الصحف التي جمع فيها أبو بكر القرآن
هامش
( 1 ) راجع في ذلك الإتقان ج 1 ، ص 98 وما بعدها .
( 2 ) وكان يعاونه بعض كتاب الوحي وفيهم سالم مولى أبى حذيفة كما يروى .