فيخالف هذا من وجوه كثيرة ، والناس في العادة إنما يتهجون الحروف مكتوبة لا منطوقة ، وبينهما فرق عظيم .
الرابع - أن النطق بالحروف ينقسم إلى ترتيل ، وغير ترتيل ، ومقادير المدات والأصوات من القراء غير منضبطة ، وقد يكون في أحد الحزبين من حروف المد أكثر مما في الآخر فلا يمكن مراعاة التسوية في النطق ، ومراعاة مجرد الخط لا فائدة فيه ، فإن ذلك لا يوجب تسوية زمان القراءة .
وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد ، كان ذلك من جنس تجزئته بالسور هو أيضا تقريب ، فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض الحروف ، وفي ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض ، والافتتاح بما فتح اللّه به السورة ، والاختتام بما ختم به ، وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ذلك التحزيب .
وفيه أيضا من زوال المفاسد الذي في ذلك التحزيب ما تقدم التنبيه على بعضها ، فصار راجحا بهذا الاعتبار .
ومن المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح ، فتستحب إطالة القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية ، من غير أن يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع الأيام . فعلم أن التسوية في مقادير العبادات البدنية في الظاهر لا اعتبار به إذا قارنه مصلحة معتبرة ، ولا يلزم من التساوي في القدر التساوي في الفضل ، بل قد ثبت
في الصحاح من غير وجه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
« 1 » تعدل ثلث القرآن « 2 » ،
وثبت
في الصحيح أن فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ، ولا في الإنجيل ، ولا في القرآن مثلها « 3 » ،
وثبت
في الصحيح أن آية الكرسي أعظم آية في
هامش
( 1 ) سورة الاخلاص : الآية 1 .
( 2 )
ورد الحديث في البخاري عن أبي سعيد الخدري ولفظه : . . . والذي نفسي بيده أنهاقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌلتعدل ثلث القرآن . انظر البخاري ج 6 ص 233 ( كتاب فضائل القرآن . فضل قل هو اللّه أحد )
. ( 3 ) ورد الحديث في البخاري ج 6 ص 200 ( كتاب التفسير . باب ما جاء في فاتحة الكتاب ) ، الترمذي ( ثواب القرآن ) ، ابن حنبل ج 4 ص 311 .