وأصل « الفرقان » عندنا : الفرق بين الشيئين والفصل بينهما . وقد يكون ذلك بقضاء ، واستنقاذ ، وإظهار حجّة ، ونصر ، وغير ذلك من المعاني المفرّقة بين المحق والمبطل . فقد تبيّن بذلك أن القرآن سمّي « فرقانا » ، لفصله - بحججه وأدلّته وحدود فرائضه وسائر معاني حكمه - بين المحق والمبطل . وفرقانه بينهما : بنصره المحق ، وتخذيله المبطل ، حكما وقضاء .
وأما تأويل اسمه الذي هو « كتاب » ، فهو مصدر من قولك : « كتبت كتابا » ، كما تقول :
قمت قياما ، وحسبت الشيء حسابا . والكتاب : هو خطّ الكاتب حروف المعجم مجموعة ومفترقة . وسمّي « كتابا » ، وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به :
وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء يعني به مكتوبا .
وأما تأويل اسمه الذي هو « ذكر » ، فإنه محتمل معنيين : أحدهما : أنه ذكر من اللّه جلّ ذكره ، ذكر به عباده ، فعرّفهم فيه حدوده وفرائضه ، وسائر ما أودعه من حكمه . والآخر : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدّق بما فيه . كما قال جلّ ثناؤه :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
« 1 » ، يعني به أنه شرف له ولقومه « 2 » .
قال الماوردي : « سمى اللّه القرآن في كتابه بأربعة أسماء :
أحدها : القرآن ، قال اللّه عزّ وجلّ :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ
« 3 » .
والثاني : الفرقان ، قال اللّه تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
« 4 » .
والثالث : الكتاب ، قال اللّه تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
« 5 » .
والرابع : الذّكر ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
« 6 » .
فأمّا تسميته بالقرآن ففيه تأويلان :
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : الآية 44 .
( 2 ) جامع البيان ج 1 ص 67 - 70 .
( 3 ) سورة يوسف : الآية 3 .
( 4 ) سورة الفرقان : الآية 1 .
( 5 ) سورة الكهف : الآية 1 .
( 6 ) سورة الحجر : الآية 9 .